صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

54

شرح أصول الكافي

« قال له السائل فانا لم نجد موهوما الّا مخلوقا قال أبو عبد اللّه عليه السلام لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعا لأنا لم نكلف غير موهوم ولكنا نقول كل موهوم بالحواس مدرك به تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق إذا كان النفي هو الابطال والعدم والجهة الثانية التشبيه إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف فلم يكن بد من اثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار إليهم انهم مصنوعون وان صانعهم غيرهم وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد إذ لم يكونوا وتنقلهم من صغر إلى كبر وسواد إلى بياض وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لبيانها ووجودها » . الشرح القسم الثاني لما أدى كلامه عليه السلام في تنزيهه تعالى عن المثل والشبه إلى أن ذاته تعالى شيء ينعّت بأسماء ونعوت ألفاظها ومعانيها خارجة عن ذاته ، الا ان معانيها مفهومات ذهنية وهمية يعرف بها ذاته تعالى كالمعبود والرحمن والرحيم وغيرها ، فرجع السائل معترضا مستشكلا فقال : فانا لم نجد موهوما الا مخلوقا ، اي كل ما نتوهمه أو نتصوره فهو مخلوق ، فكيف يوصف ويعرف به خالق الأشياء ؟ فأجاب عليه السلام عن ذلك أوّلا بوجه النقض بانّه لو لم نتوهم ذاته بهذه المعاني الوهمية ولم نعرفه بمثل هذه المفهومات الذهنية لكان التوحيد عنا مرتفعا ، إذ لا نقدر ولا نستطيع في توحيده وتعريفه الا بوسيلة هذه المعاني الوهمية . وثانيا بوجه الحل وهو انا وان لم نعرف ذاته الا على سبيل التوهم وبوسيلة المعاني المشتركة الكلية ، ولكنّا مع ذلك نرجع ونلتفت إلى تلك المعاني التي كانت عنوانات ومرائي بها عرفنا ذاته ، فنحكم عليها بان كل موهوم بإحدى القوى والحواس ظاهرية أو باطنية وكل مدرك لنا بإحدى المشاعر صورة كانت أو معنى فهو محدود ومتمثل تحدّه الحواس وتمثله الافكار ، وكل ما هو كذلك فهو مخلوق مثلنا مصنوع بفكرنا ، وخالق الأشياء منزه عنه وعن معرفتنا أيضا التي تحصل لنا بهذه الأمور ، فنعرف ذاته بانا لا نعرف ذاته . وهذه غاية معرفتنا بذاته ما دمنا في هذا العالم ، إذ ما لا سبب له لا يمكن العلم به الا بمشاهدة صريح ذاته واما من جهة آثاره وافعاله ، لكن العلم الذي هو من جهتها لا يعرف بها